شماليات

مرحبا بكم في مدونتي المتواضعة التي أجمع فيها زبدة ما كتبته في الشبكة العنكبوتية كما وأنوه أن حقوق النشر والنقل محصورة لكاتب هذه القصص والمقالات ولا أحل أحدا أن ينقل شيء من دون ذكر المصدر والاشارة إلى كاتبها أبو ذر الشمالي

الجمعة، 4 مارس، 2016

سوق الصلوات


بسم الله الرحمن الرحيم


نحو أدب يخدم الأجيال إن شاء الله أغرس غرستي هذه لعلها تكون مساهمة في هذا المضمار سائلاً المولى عز وجل أن يجعل فيها القبول


سوق الصلوات

مسرحية من فصل واحد



الإهداء
إلى محب الدين الذي عاش حياته كالجبل الأشم ومات كالأشجار الباسقة أقدم باكورة هذا العمل



العناصر
المؤذن أبو محمود
القاضي معتز
الأستاذ شامخ
التاجر رابح
الشيخ راضي إمام مسجد التقوي
اليهودي حاييم
اليعازر المعاون الأول لليهودي حاييم
دانيال المعاون الثاني لليهودي حاييم
محب الدين
محيي الدين
رجلان
المكان أمام مسجد التقوى في حي الصالحين



النص




اليعازر: أيسمح سيدي أن أطرح عليه سؤالاً
حاييم: ماذا تريد أن تسأل يا اليعازر؟
اليعازر: لماذا نحن هنا في هذا الوقت المتأخر من الليل ، إنها الرابعة صباحاً يا سيدي والجو بارد جداً، ثم إننا نقف أمام مسجد المسلمين وما هي إلا دقائق ويأتي أبو محمود ليؤذن ، فوقوفنا في هذا المكان وفي هذه الساعة قد يولد شكوك أو يحدث ريبة في نفوسهم يا سيدي
حاييم: ستعرف كل شيء في حينه يا اليعازر ، أين دانيال؟
دانيال: هاأنذا يا سيدي
حاييم:افتح الدكان يا دانيال

دانيال: أي دكان يا سيدي؟
حاييم: أي دكان يا غبي!!، دكانتي طبعاً، أفتحها الآن
دانيال: ولكن الوقت متأخر جداً يا سيدي فمن هذا الذي سيأتي ليشتري في هذه الساعة المتأخرة وهذا البرد القارص
اليعازر:صحيح يا سيدي ، ثم إن المخزن قريب جداً من المسجد وقد يثير هذا بعض الشكوك عند المسلمين إذا فتحناه الآن
حاييم:أسمعا أنتما الاثنان، لن أقضي وقتي في الثرثرة معكما ، عليكما أن تنفذا ما أطلبه منكما حالاُ ، اذهب الأن يا دانيال وأفتح الدكان
دانيال: حاضر يا سيدي
اليعازر:سيدي، ها هو أبو محمود قد جاء ليؤذن الفجر، فهلا اختفينا عن الأعين واختبأنا
حاييم: (يبتسم) اذهب يا اليعازر إلى أبي محمود وأخبره أني أريد أن أكلمه
اليعازر:ولكنه لن يقبل يا سيدي فهو قد جاء ليؤذن
حاييم:لا عليك ،أخبره أنني أريد أن أكلمه الأن
اليعازر: حاضر يا سيدي
(يخرج اليعازر لينادي أبا محمود ويأتي به إلى خشبة المسرح )
أبو محمود: ماذا تريد يا حاييم
حاييم: كيف حالك يا أبو محمود؟
أبو محمود: إني بخير، لقد أخبرني صانعك أنك تريدني ،فماذا تريد مني؟
حاييم: إني أراك على عجلة من أمرك!
أبو محمود: عليَ أن أمضي للمسجد وأؤذن ، أظنك تعرف هذا يا حاييم؟
حاييم: نعم نعم ، أنا أعلم كل شيء يا حبيبي ولكني أردت أن أعرض عليك أمرا
أبو محمود: ألا تستطيع أن تؤجله إلى ما بعد الصلاة ، فأنا مستعجل كما أخبرتك
حاييم : في الواقع لا أستطيع ذلك ، لأن الأمر يتعلق بالآذان والصلاة
أبو محمود: أف!!!، وكيف ذلك؟
حاييم : سأدخل في الموضوع مباشرة، ما رأيك يا أبا محمود أن تأخذ عشرة دنانير ولا تؤذن اليوم ولا تصلي صلاة الفجر
أبو محمود: اسمع يا حاييم ، هذا ليس وقت المزاح ، فأنا ليس عندي وقت للفكاهة ، سيدخل وقت الآذان بعد خمس دقائق وأنت واقف تمازحني
حاييم : من قال أني أمزح ، إني جاد بكلامي هذا، أنت رجل مسكين وأنا أحببت أن أساعدك
أبو محمود: تساعدني بأن أترك الآذان والصلاة ، إما أن تكون سكراناً أو أصاب عقلك الخلل
حاييم : صدقني أني أكلمك بكل قواي العقلية، وإذا كان المبلغ قليلاً فلم لا نجعله عشرون ديناراً، ما رأيك يا أبا محمود بعشرين ديناراً تأخذها الآن حالا وتترك الآذان وصلاة الفجر فقط في هذا اليوم
أبو محمود: يبدو أنك لا تعرفني يا حاييم، بل إنك أيها المسكين لا تعرف المسلمين وتظنهم مثلكم أيها اليهود تبيعون دينكم وأعراضكم من أجل المال ، أما نحن المسلمين فديننا أغلى شيء عندنا ولا نفرط فيه أبداً
حاييم : سامحك الله يا أبا محمود، على العموم لن أقف عند هذه الإهانة ، ما رأيك يا حبيبي بخمس وعشرين دينارا؟
أبو محمود: لن أضيع وقتي مع رجل مثلك ،سأمضي للآذان والصلاة ولن ألتفت إليك
حاييم : اسمع يا أبا محمود، لماذا لا تكلمني بوضوح كما أكلمك؟ لماذا لا تخلع هذا القناع الذي ترتديه؟
أبو محمود: أي قناع هذا؟!؟
حاييم : قناع الإيمان والتقوى والورع والصلاح ،لا تظنني مثل أولئك المساكين الذين يأتونك ليقدموا لك النذور والتبرعات التي تأخذها أنت وتضعها في جيبك
أبو محمود: أنا أفعل هذا؟؟!!؟؟
حاييم : يا أبا محمود أنا أعرف كل شيء، على كل حال دعنا من هذا الكلام ولنرجع إلى موضوعنا ، ما رأيك بخمسين دينارا
أبو محمود: وماذا ستستفيد أنت مما تعرضه علي؟ ،ما هي الفائدة التي ستجنيها إذا لم أؤذن ولم أصل ؟، ستخسر خمسين دينارا ولن تكسب شيئاَ
حاييم : لا دخل لك أنت فيما سأكسبه فهذا شأني وليس شأنك
أبو محمود: ولكن0000ولكن
حاييم : يا أبا محمود ، هذا رزق عيالك قد أتاك فلماذا ترفضه، حرام عليك يا أبا محمود أن ترفضه
أبو محمود: طيب ماذا سأقول للناس إذا سألوني لماذا لم أؤذن
حاييم : قل لهم أنك مريض ، أو أنك لم تشعر وراحت عليك نومة ، أو قل أي شيء يا حبيبي فالناس لن يقطعوا عنقك
أبو محمود: ولكن قد تعاقبني المديرية وتحذف من أجرتي
حاييم : (يضحك بشدة) يا أبا محمود ليحذفوا أجرة هذا اليوم إذا كنت ستكسب خمسين دينارا ، ثم من هذا الذي سيخبرهم إذا كان مسجدكم هذا على اتساعه لا يأتي ويصلي الفجر فيه غير أربعة أو خمسة من الحارة
أبو محمود: حسناً أنا موافق ولكن على شرط
حاييم : وما هو؟ اشرط يا أبا محمود
أبو محمود: تدفع لي مئة دينار
حاييم: (يضحك) أنت طماع يا أبا محمود، ولكن لا بأس غال والطلب رخيص،يا اليعازر اليعازر: نعم يا سيدي
حاييم : افتح الحقيبة وأعط أبا محمود مائة دينار
اليعازر: حاضر يا سيدي، تفضل يا أبا محمود
حاييم : والآن يا أبا محمود سيأخذك اليعازر إلى دكاني ستجلس هناك بصحبة صانعي دانيال إلى أن تطلع الشمس
أبو محمود:ولماذا؟؟!
حاييم : حتى أتأكد أنك لن تصلي الفجر
أبو محمود:ولكن هذا لم يكن ضمن اتفاقنا
حاييم : هذا من حقي يا أبا محمود، فكيف أضمن أنك لن تصلي الفجر في بيتك إذا تركتك تذهب قبل طلوع الشمس
أبو محمود:أعدك بأني لن أفعل هذا ،وأقسم لك أني لن أصلي الفجر
حاييم : لا لا يا أبا محمود،دع عنك الوعود والأيمان واذهب مع اليعازر إلى دانيال ،وهناك ستجلس معززا مكرما حتى طلوع الشمس
أبو محمود: أمرنا إلى الله ،حاضر
حاييم : هيا يا اليعازر ،امض مع أبي محمود إلىدانيال وقل له أن يبقى حريصاً على أبي محمود وألا يدعه يصلي أو يغادر الدكان حتى تطلع الشمس
اليعازر:حاضر يا سيدي
حاييم : وقل له أيضاً أن يسقيه كوباً من الشاي ، هذه على البيعة يا أبا محمود
أبو محمود:أشكرك يا سيد حاييم
حاييم : لا شكر على واجب ، أنت في ضيافتنا
أبو محمود: إلى اللقاء إذن
حاييم : إلى اللقاء يا أبا محمود

(يخرج اليعازر مع أبي محمود من خشبة المسرح ثم يرجع اليعازر)


اليعازر: سيدي أرجوك أخبرني لماذا فعلت هذا ؟ لقد أضعت مائة دينار وجعلتها تذهب هباء دون أي فائدة وأنت الذي علمتنا أن لا نصرف قرشاً إلا إذا كان سيأتي بقرشين!

حاييم : ما زلت يافعاً يا اليعازر ، وما زال هناك الكثير لتتعلمه فيما بعد

اليعازر:ولكن يا سيدي!

حاييم : لا تصدع رأسي يا اليعازر،ستعرف كل شيء في حينه ، من القادم هناك؟

اليعازر:إنه على ما أظن القاضي معتز، نعم إنه الأستاذ معتز ، لقد عرفته من بزته الأنيقة التي يرتديها دائماً

حاييم : كيف أحواله؟ ، سمعت أنه خرج على التقاعد

اليعازر: نعم يا سيدي منذ شهرين ومن حينها يأتي ويصلي الفجر كل يوم

حاييم : وكيف أوضاعه المالية؟، لقد علمت أنه اشترى منزلاً جديداً

اليعازر:يقولون أنه بيت كبير وجميل جداً يا سيدي وأنه أنفق فيه الكثير، لقد بدأت تظهر عليه أثار الثراء بعد أن ترك القضاء، أنت تعلم يا سيدي أنه كان قاضياً في المحكمة الجنائية وهذه تكون الفواتير فيها مرتفعة جداً

حاييم : اذهب وأتني به قبل أن يدخل المسجد

اليعازر:حاضر يا سيدي

معتز:كيف حالك يا حاييم؟

حاييم : أهلا بقاضينا المبجل ،كيف حالك يا أستاذ معتز؟

معتز: إني بخير والحمد لله،أراك تقف قريباً من المسجد، هل خطر في بالك أن تصلي معنا صلاة الصبح

حاييم : (يبتسم)ولم لا يا سيدي ، والناس دول، فكم من يهودي أصبح مسلماً وكم من مسلم أصبح يهودياً

معتز:هذا صحيح يا حاييم، عن إذنك إني في عجلة من أمري كما ترى

حاييم : إلى أين يا أستاذ معتز؟

معتز:إلى المسجد سوف أقرأ القرآن ريثما يأتي الإمام ونصلي ، ولكن العجيب أني لم أسمع الأذان ، فهل أبو محمود مريض يا ترى!

حاييم : لعله يكون مريضاً ولعله يكون نائماً ولعله يكون في دكاني مثلاً

[COLOR="mediumturquoise"]معتز:[/COLOR]في دكانك!! ، وماذا يصنع في دكانك؟

حاييم : إني أمزح وحسب ، اسمع يا أستاذ معتز أنت قاضٍ وتعرف كيف تقيس الأمور جيداً وإني أحببت أن أعرض عليك أمراً مهماُ يا حبيبي

معتز : تفضل يا حاييم، فأنت تاجر كبير ولديك دوماً عروض مغرية

حاييم : دع عنك اليوم صلاة الفجر فلا تصليها وأعطيك مائة دينار

معتز: نعم ، ثم ماذا؟

حاييم : إني لا أمزح يا أستاذ ، إني جاد بكلامي

معتز:وهل قالوا لك أني رخيص لهذه الدرجة يا حاييم، تريد مني أن أبيع ديني من أجل مبلغ زهيد، والله لو أني عرفت أنك تريدني من أجل هذا الهراء لما أجبتك ولما أتيت لخطابك

حاييم : هدئ من روعك يا أستاذ، وأرجوك ألا تغضب ، فأنا لم أقصد إغضابك

معتز:كيف لا أغضب وأنت تطلب مني أن أترك عبادتي وصلاتي من أجل حفنة من النقود ،هل جننت أم أصاب عقلك الخلل؟!!

حاييم : لم أجن ولم يصب عقلي الخلل ، ولنجعلها مائتين عوضاً عن المائة ، أعتقد أنه مبلغ لا بأس به ، هه ما رأيك يا حبيبي ؟

معتز:أتساومني على ديني يا رجل ، أتظنني سأبيع ديني من أجل مائتي دينار ، ما أسخف عقولكم أنتم اليهود تظنون أن بالمال يشتري المرء كل شيء حتى الصلاة والعبادة ، إنكم تعبدون المال وتسجدون له

حاييم : هدئ من روعك يا أستاذ معتز ، وأرجوك لا داعي لهذا التجريح

معتز:كيف أهدئ من روعي وأنت تطعنني في ديني وكرامتي وتظن أني أبيع ديني من أجل النقود

حاييم : حسناً، إذا كان الأمر قد أزعجك إلى هذه الدرجة فلننس الموضوع ونعتبرها مجرد دعابة

معتز:ولكنها دعابة سمجة وثقيلة يا حاييم

حاييم : يا سيدي أنا أسف، ولكن المهم عندي أن نبقى أصدقاء وأبناء حارة واحدة

معتز:وهو كذلك يا حاييم، أخبرني كيف أحوال تجارتك؟

حاييم : بخير وهي دوماً بإتساع، لقد علمت أنك تركت القضاء يا أستاذ معتز

معتز:نعم منذ شهرين

حاييم : وماذا تعمل الآن ؟ وكيف تقضي أوقاتك؟

معتز:لا شيء ، أتفرج على التلفاز، أذهب إلى القهوة، أقرأ بعض المجلات والجرائد وهكذا دواليك

حاييم : سمعت أنك اشتريت منزلاً جديداً وكبيرا

معتز:نعم ، هذا صحيح
حاييم : ومن أين أتيت بثمنه يا أستاذ معتز؟

معتز:تريد أن تحاسبني على مالي يا حاييم

حاييم : لا سمح الله يا حبيبي، ولكني أسأل فقط، فأنا أعلم أن دخل القاضي لا يسمح له بشراء منزل بهذا الشكل ، فقلت في نفسي أنك لا بد قد أتيت بالنقود من تجارة تاجرت بها أوميراث ورثته أو شيء من هذا القبيل

معتز:إني أدرك مراميك يا حاييم وأعرف ماذا تقصد

حاييم : (يبتسم)إذا كنت تعرف قصدي فلماذا إذن ترفض عرضي كل هذا الرفض يا أستاذ

معتز: :هل عدنا إلى نفس الموضوع!

حاييم : اسمع يا أستاذ معتز، دعك من المائة والمائتين ، سأعطيك ألف دينار إذا تركت صلاة الفجر هذا اليوم

معتز:اسمع يا حاييم، إما أن تكف عن هذا الكلام أو أمضي في حال سبيلي ولا أخاطبك بعد هذا اليوم

حاييم : اسمع يا أستاذ، سأدفع لك ألف وخمسمائة دينار عداً ونقداً ، الآن، إذا وافقت أن تترك صلاة الفجر في هذا اليوم فقط

معتز:( يطرق رأسه ثم يرفعه ببطء )ماذا تريد أن تفعل يا حاييم، وما هو هدفك بالضبط ؟

حاييم : عن أي شيء تتحدث يا أستاذ معتز؟

معتز: لماذا تريد أن تدفع لي هذا المبلغ الضخم من أجل أن أترك صلاة الفجر، وما هي المنفعة التي ستأتيك إن أنا صليت الفجر أم لم أصليه؟

حاييم : لا دخل لك بالمنفعة يا حبيبي، فمنفعتي أحددها أنا وأعرفها أنا ، أما أنت فما عليك إلا أن تأخذ المبلغ وتدع صلاة الفجر ليوم واحد فقط

معتز:اسمع يا حاييم، إن عبادتي وصلاتي أهم عندي 00000000

حاييم :ياأستاذ معتز لماذا لا تكلمني على بلاطة كما يقولون ،لماذا لا تكلمني على المكشوف ، أظن أن الذي يتقاضى عمولات ويعطي الحق لغير صاحبه لا يصعب عليه ترك صلاة واحدة لا سيما إذا كانت مقابل مبلغ كبير

معتز: ما هذا يا حاييم إنك تجرحني بهذا الكلام

حاييم: لا بأس يا أستاذ فلقد جرحتني أنت أيضا قبل قليل فواحدة بواحدة سأدفع لك يا استاذ ألفا دينار فما رأيك

معتز:ولكن000ولكن

حاييم:ياأستاذ اسمع مني فالله غفور رحيم

معتز:حسناًأنا موافق على أن تدفع لي الفان وخمسمائة دينار

حاييم:وأنا موافق هيا يا اليعازر ادفع الفا وخمسمائة دينار واذهب مع معتز إلى دانيال وقل له أن يفعل معه كما فعل مع أبو محمود

معتز:وهل أبو محمود عندك يا سيد حاييم

حاييم: :لقد اشتريت منه صلاته كما اشتريتها منك يا معتز

معتز: ولكن000ولكن

حاييم:ولكن ماذا يا معتز يا عزيزي لا تخف شيئاً هو قبض وأنت قبضت

على كل حال لو أردت الرجوع عن صفقتنا فأنا لا مانع لدي

معتز: لا لا لاأقصد ذلك،حسناً سأذهب بصحبة صانعك اليعازر

حاييم:عين العقل هيا يا اليعازر ، اذهب بمعتز إلى دانيال وأخبره أن يصنع كما صنع مع أبو محمود

اليعازر:حسنا يا سيدي هيا تفضل يا أستاذ



(ويخرج معتز بصحبة اليعازر من خشبة المسرح )


اليعازر:سيدي أريد0000

حاييم:و لا كلمة يا اليعازر ،أعرف ماذا تريد أن تقول ، ستعرف كل شيء في حينه

اليعازر:ولكني يا سيدي أتوق لمعرفة ما يدور برأسك ،وكيف تذهب كل هذه الأموال هباء وبدون فائدة!

حاييم:اليعازر لا تزعجني ، قلت لك ستعرف كل شيء في حينه، أخبرني من هذا الذي يسير ببطء عند أول الشارع؟

اليعازر:إنه الأستاذ شامخ معلم المدرسة يا سيدي

حاييم:اذهب حالاً وأحضره لي

اليعازر:حاضر يا سيدي

شامخ : :مرحباً يا حاييم، كيف حالك؟ ، قال لي صانعك أنك تريدني

حاييم:أهلاً وسهلاً أهلاً وسهلاً بمعلم الحارة ومخرج الأجيال تلو الأجيال ، أهلاً يا أستاذ شامخ ، كيف حالك وكيف صحتك يا حبيبي ؟، أرى علامات الكبر والهرم قد ظهرت على وجهك، إنك تعطي أكبر من سنك يا رجل

شامخ : آه ، ماذا نفعل يا حاييم والدنيا لا ترحم ، العمل متعب والأجرة قليلة والمصروف كبير والعيال لا يرحمون

حاييم:كان الله في عونك يا أستاذ، ولكن أخبرني إلى أين تمضي في هذا الوقت المبكر؟

شامخ : إلى المسجد أريد أن أصلي الصبح جماعة ، ولكني استغربت إذ رأيت المسجد خالٍ من المصلين حتى المؤذن أبو محمود لم أراه؟

حاييم:الغايب حجته معه يا أستاذ ، ولكن قل لي ماذا دفعك أن تأتي إلى المسجد في هذا الجو البارد ، لماذا لم تصلِ في بيتك؟

شامخ : الجماعة ثوابها أعظم ، هذه أمور لا تعرفها أنت يا حاييم

حاييم:في الصلاة فقط الجماعة أفضل أم في كل الأمور؟

شامخ : ماذا تقصد؟

حاييم:أنتم المسلمون أمركم عجيب ، تصلون جماعة في المسجد ثم تتفرقون على غير هدى في بقية شوؤنكم، تختلفون في كل شيء ثم تقفون في المسجد صفاً واحداً، ومن يدري لعل قلوبكم مختلفة هي الأخرى بينما تتراصون بأرجلكم

شامخ : :صدقت يا حاييم، آه على هذه الأيام السوداء، ما عدنا مسلمين كما كنا، ولكن ما شأنك أنت وهذا الكلام ، أطلبت لقائي من أجل أن تحدثني عن تجمع المسلمين وتفرقهم؟!

حاييم:لا يا أستاذ ، إنما طلبت لقاءك لأمر أخر ولكني لا أعرف كيف أبدأ بالكلام

شامخ : قل يا حاييم ولا تخف شيئاً

حاييم:ما رأيك يا أستاذ لو أعطيتك مئة دينار مقابل ألا تصلي الفجر هذا اليوم

شامخ: ( بغضب شديد)ماذا تقول !!، هل جننت يا هذا؟! كيف تجرؤ على أن تطلب مني هذا الطلب!

حاييم:على رسلك يا أستاذ لقد أيقظت أهل الحارة

شامخ: ( يتكلم بصوت مخنوق وأوصاله ترتعد)كيف تتجرأ على مثل هذا الكلام وكيف تطلب مني هذا الطلب

حاييم: ياأستاذ هدئ من روعك فأنا لم أقصد إغضابك ، على كل حال إذا كان المبلغ قليلاً فسأزيد المئة وأجعلها مائتين

شامخ:إما أن تسكت يا حاييم أو أصفعك صفعة لا تصحو منها أبداً

حاييم:يا أستاذ لا داعي لكل هذا الغضب فالأمر أبسط مما تظن

شامخ:اسمع يا حاييم، أتظن أني استيقظت في هذه الساعة وتوضأت ونزلت من بيتي في هذا الجو البارد من أجل أن أبيع صلاتي وأساوم على ديني ، إنك غبي يا حاييم وتظن أن كل الناس أغبياء مثلك

حاييم:لماذا يا أستاذ؟، إني لا أرى في الأمر شيئاً له علاقة بالغباء!

شامخ:كيف ذلك!، وأي غباء أشد من أن تساوم المرء على دينه

حاييم:اسمع يا أستاذ شامخ، سأزيد المبلغ وأجعله ثلاثمائة دينار وهو مبلغ لا تتقاضاه أنت بعد كل هذه الخدمة وهذه السنوات الطويلة وأنت تخدم البلد وتخرج الأجيال، هه ، ما رأيك يا أستاذ شامخ؟

شامخ:يبدو أنك تصر على إغضابي وإهانتي يا حاييم، يبدو أنك أيها الوغد لا تعرف مدى تمسكنا نحن المسلمين بديننا وأننا في سبيله نقدم الأرواح رخيصة

حاييم:إني أعرف تماماً أن دينكم غالٍ عندكم جداً وأنكم دفعتم الكثير من أجله وربما يأتي يوم تدفعون أيضاً الكثير في سبيله، ولكن يا أستاذ شامخ قد يحتمل الرجل الجوع عندما يعضه وتحتمل معه زوجته وقد يحتمل مشقة الحياة وضنك المعيشة وأيضاً تحتمل معه زوجته ، ولكنه لا يحتمل أبداً أن يذهب ابنه ببزة قديمة بينما ملابس رفقائه جديدة، ستضمحل كرامته عندما يعجز عن إدخال الفاكهة إلى بيته ، ستختفي كرامته وهو يرى رئيسه في العمل يعامله معاملة السيد لعبده ،إن الحياة قاسية جداً يا أستاذ شامخ ،ما علينا اسمع يا أستاذ سأدفع لك خمسمائة دينار إذا وافقت على طلبي

شامخ:لن أرض يا حاييم وأنصحك أن تكف عن هذا الهراء

حاييم:إني أراك جامد العقل وتفكيرك محدود يا أستاذ ، لا تلين ولا تسمح لأحد أن يكلمك بالعقل

شامخ:وهل العقل يأمرني أن أترك صلاتي؟

حاييم:أنا لم أطلب منك أن تترك صلاتك ، أنا فقط أطلب أن تترك صلاة الفجر لمرة واحدة وتجلس في دكاني ريثما تطلع الشمس ثم تقضيها بعد ذلك ، فهل هذا كثير؟

شامخ:إنك لا تفهم يا حاييم

حاييم:بل أنت يا أستاذ الذي تلف وتدور حول الحقيقة

شامخ:وكيف ذلك يا نبيه؟!!

حاييم:أريد أن أطرح سؤالاً عليك يا أستاذ فهل تجبني؟

شامخ:وما هو هذا السؤال؟

حاييم:لقد عرفت فيما مضى أنك قد ذهبت للتدريس في إحدى البلاد التي تفرض منع الحجاب وأصطحبت معك عائلتك وأضطررت أن تذعن لأوامرهم وتنزع حجاب زوجتك وبناتك فما هو السبب يا أستاذ

شامخ:ماذا تريد أن تقول يا حاييم؟

حاييم:أريد أن أقول أنك فعلت ذلك خشية على لقمة عيشك فرضخت لأوامرهم من أجل عيالك ومن أجل معيشتك، وأنا لا ألومك على هذا فلقمة العيش غالية وقد يدفع المرء أحياناً أشياء كثيرة من أجلها ، ثم هناك أمر أخر يا أستاذ شامخ ، لقد أخبرتني أنت فيما مضى أنك تضطر أن تدرس تلاميذتك أشياء أنت نفسك غير مقتنع بها ولكنك تجد نفسك مرغماً على تدريسهم إياها

شامخ:لقد قلت أنت أن لقمة العيش غالية ويضطر المرء أحياناً كي يحافظ عليها أن يتخلى عن بعض مبادئه

حاييم:تنزع حجاب زوجتك وبناتك لكي تحافظ على لقمة العيش وتدرس طلابك أشياء أنت نفسك غير مقتنع بها من أجل لقمة العيش وتتخلى عن مبادئك من أجل لقمة العيش ، ولكن عندما آتي أنا لأدفع لك هذا المبلغ مقابل أن تترك صلاة الصبح ليوم واحد فقط ترفض العرض وتريد أن تصفعني على وجهي وتصرخ حتى كدت أن توقظ الحارة ،ما أشد تناقضك يا أستاذ شامخ!!

شامخ:إنك خبيث جداً يا حاييم

حاييم:لا يا أستاذ شامخ ، أنا رجل واقعي أتكلم بالمنطق ، على كل حال سأفجر مفاجأة لك يا حبيبي ، سأعطيك ألف دينار عداً ونقداً على أن تذهب لدكاني وتجلس مع صانعي دانيال حتى تطلع الشمس دون أن تصلي الفجر ، فما رأيك؟

شامخ:تريد أن تحاصرني بكلامك يا حاييم؟

حاييم:لا يا أستاذ إنما أريد أن أبين لك الحقيقة، اسمع يا أستاذ شامخ، لقد درَست في هذه الحارة لأكثر من ثلاثين سنة، تخرج خلالها على يديك كل شبان الحارة وأنت تراهم الأن أمامك في الوظائف والمديريات والمعامل ومنهم الأطباء والمهندسون ، فما ترى؟

شامخ:لم أفهم قصدك؟

حاييم:أما الموظفون فهم يأخذون الرشاوى ويأكلون أموال الناس بالباطل ويتقاعسون عن أداء واجبهم، ، وأما المديريات فالنهب فيها مشرع من أوسع أبوابه ، وأما الأطباء فلا شفقة ولا رحمة وهم أقرب للجزارين منهم للأطباء ، وأما المهندسون فتقاعس عن العمل ونهب للثروات،وأما وأما000 فبالله عليك أخبرني ماذا ربيت وماذا علمت؟

شامخ:ماذا تريد أن تقول؟

حاييم:إني أخاف أن أجرحك بالقول يا أستاذ

شامخ:لا يا حاييم ، بل قل

حاييم: أريد أن أقول : إذا كان رب البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل البيت الرقص

شامخ:حاييم

حاييم: نعم يا أستاذ

شامخ : هات الألف دينار

حاييم: (يبتسم): اليعازر

اليعازر:نعم يا سيدي

حاييم: أعط الأستاذ شامخ ألف دينار

اليعازر:تفضل يا أستاذ

حاييم: والآن يا شامخ ستذهب مع صانعي اليعازر إلى دكاني ، هناك ستجلس وسيراقبك صانعي دانيال إلى أن تطلع الشمس وعندها يمكنك أن تذهب إلى حيث شئت

شامخ : حاضر

حاييم: نسيت أن أقول لك انك ستجد هناك أبا محمود المؤذن والقاضي معتز

شامخ : وماذا يفعلان هناك؟

حاييم: لقد قبضا مثل ما قبضت ، والآن هيا يا اليعازر خذ شامخ واذهبا وقل لدانيال أن يفعل معه كما فعل مع الأخريًن

اليعازر:حاضر يا سيدي، هيا تفضل

(يخرجان ثم يرجع اليعازر)

 حاييم: لقد أتعبني هذا الرجل كثيراً يا اليعازر

اليعازر:هذا واضح من العرق الذي بدأ يتصبب من جبينك يا سيدي، إني أراك يا سيدي لا تريد أن ترى أحداً يصلي الفجر هذا اليوم في المسجد

حاييم: هذا صحيح يا اليعازر

اليعازر:ولكن لا بد أن يأتي الشيخ راضي إمام المسجد وعندها لن تستطيع أن تساومه حتى على مال الدنيا كلها

حاييم: (يضحك)ألم أقل لك أنك ما زلت يافعاً يا اليعازر

اليعازر:لِمَ يا سيدي

حاييم: سترى أن إمام المسجد سيكون أخف وطأة من الأستاذ شامخ

اليعازر:هل يعقل ذلك يا سيدي!!

حاييم: نعم يا اليعازر، إن كنت أخشى من الفشل أمام أحد من المصلين فهو الأستاذ شامخ ، أما وقد جلس مع البقية ينتظر طلوع الشمس فلم أعد أخش أحداً منهم البتة،انظر يا اليعازر من القادم من بعيد؟

اليعازر:إنه التاجر المعروف رابح يا سيدي

حاييم: هيا اذهب وأحضره لي

اليعازر:ولكن يا سيدي أخبرني بالله عليك كيف ستستطيع أن تشتري منه صلاته وهو الذي تبرع بمئة ألف دينار لبناء هذا المسجد!

حاييم: (يبتسم)سترى كيف سأشتري منه صلاته بمبلغ زهيد ، هيا اذهب وأحضره لي

(يخرج اليعازر ويحضر رابح إلى خشبة المسرح)


حاييم: أهلاً أهلاً أهلاً بصديقي القديم،كيف حال تاجرنا الكبير؟

رابح:أهلاً بصديقي حاييم، كيف حالك يا صديقي ؟ وكيف هي تجارتك؟

حاييم: إنها بخير إلا أن هناك عدو لدود يحاربني فيها ويضيق علي

رابح:ومن هو هذا؟

حاييم: إنه أنت يا رابح

رابح: (يضحك)ستظل هكذا دائماً يا حاييم تحب الضحك والمزاح،أخبرني ماذا تفعل هنا في هذا الجو البارد؟

حاييم: أقف بانتظارك يا حبيبي

رابح:إني ذاهب إلى المسجد لأصلي ،إلا أني رأيت المسجد خالياً تماماً لا أحد فيه مع أن الفجر قد دخل وقته منذ نصف ساعة ، فأين ذهب الجميع ،لعلك سحرتهم بسحرك الأسود أيها اليهودي اللعين؟

حاييم: (يضحك)بل سحرتهم بالمال يا صديقي العزيز

رابح:كيف هذا؟

حاييم: المؤذن أبو محمود والقاضي معتز والأستاذ شامخ جميعهم يقبعون في دكاني ينتظرون طلوع الشمس تحت حراسة أجيري دانيال دون أن يصلوا الفجر

رابح:مقابل ماذا؟

حاييم: مقابل بعض المال الذي أعطيته لهم

رابح:أنا لا أصدق هذا!

حاييم: مد رأسك وأنظر إليهم ،تستطيع أن تراهم من هنا

رابح: ( يمد رأسه وينظر إلى خارج خشبة المسرح) آه منك يا حاييم ،ستظل دوما رجلا خبيثاً

حاييم: لا داعي للإطراء يا صديقي، والآن ما رأيك لو انضممت إليهم وجلست معهم

رابح:وكم ستدفع لي يا حاييم؟

حاييم: سأدفع لك مائتا دينار

رابح:لا إنه مبلغ تافه لا يذكر ولا يستحق أن أخسر سمعتي من أجله

حاييم: ولكنك لن تخسر شيئاً

رابح:كيف هذا ؟ سيخرج الملأ ليتحدثوا عني ويقولوا أني تركت صلاة الصبح

حاييم: لن يستطيع أحد أن يتفوه بكلمة لأنهم جميعاً مشتركون معك في ترك الصلاة ،على كل حال سأعطيك خمسمائة دينار

رابح:قليل يا حاييم، أنسيت أني قد تبرعت لبناء هذا المسجد وكلفني أكثر من مئة ألف دينار، أنسيت المأذنة التي تبرعت لبنائها في مسجد الحارة المجاورة ، أنسيت أني أدفع الكثير للفقراء والمحتاجين ، فكيف أقبل هذا المبلغ الزهيد وأنا أدفع الكثير الكثير

حاييم: أما بناؤك للمسجد والمأذنة وإعطاؤك للفقراء والمحتاجين كل ذلك تخدع به أولئك البسطاء السذج ولا تخدعني به يا حبيبي

رابح:وكيف ذلك يا حاييم؟

حاييم: أتظن أني لا أعرف أنك بتبرعاتك تلك تزيد من أرباح تجارتك

رابح:وكيف هذا؟

حاييم: أولاً تكسب السمعة الطيبة ويقبل عليك جميع التجار يريدون أن يتعاملوا معك ويعطوك بضائع بمئات الألوف دون ضمانات ،ولا يمنعون عنك بضائعهم بل تراهم يتنافسون على كسب رضاك ويتحيرون في تقديم التساهلات لك

رابح:هذا أولاً ثم ثانياً

حاييم: ثانياً يقبل عليك الناس ليشتروا منك ويتعاملوا معك ، كيف لا وأنت التاجر الطيب النظيف الذي بنى لهم المسجد والذي يعطف على فقرائهم ومحتاجيهم، فهل يعقل أن يتركوك ويذهبوا للتعامل مع غيرك!

رابح:فعلاً إنك داهية يا حاييم وإني أحمد الله أنك يهودي ولست مسلماً

حاييم: ولماذا؟

رابح:لأنك لو كنت مسلماً لكشفت أمري بين الناس بحكم التنافس الذي بيني وبينك ،ولكن بما أنك يهودي فإن أحداً لن يصدق كلامك ولن يعيرك انتباها

حاييم: ( يضحك ) لو كنت من ملتك فلن أكشفك يا حبيبي لأني سأكون نائما مثل بقية قومك وبني دينك ،ولكن هل تعلم أنه بالرغم من أننا نحن اليهود المعروفين بحسن تجارتنا وشطارتنا فإني مع ذلك قد تعلمت منك فأصبحت أنت المعلم وأنا التلميذ

رابح:وكيف ذلك؟

حاييم: لقد بدأت أنا أيضاً أفعل مثلك أتبرع لدار العبادة وأجزل العطاء لفقراء اليهود ،ليس هذا فقط بل إنني رممت دار العبادة على حسابي

رابح ( يضحك)ممتاز جداً لقد أصبحت أستاذك ووجب عليك الطاعة يا ولد

حاييم: (يضحك)أمرك يا معلمي، والآن دعنا من المزاح ، ما رأيك بألف دينار،تأخذها ولا تصلي الفجر هذا اليوم

رابح:سوف لن أصلي الفجر طالما أنني واقف أتحدث معك ، فإن الوقت يمضي سريعاً وستطلع الشمس وأنا واقف أحاورك، وعندها ستضيع الصلاة وستضيع الألف دينار،لذا فإني أفضل أن تضيع الصلاة وأكسب الألف دينار

حاييم: تعجبني يا رابح ،هيا يا اليعازر أعط تاجرنا الكبير رابح ألف دينار واذهب معه إلى الدكان وأوصِ دانيال أن ينتبه إليه جيداً فهذا الرجل مراوغ مثل الأفعى يستطيع أن يغافله ويصلي الفجر والضحى أيضاً

رابح: (يضحك)اطمئن يا عزيزي فلن أفعل هذا ، فلطالما أضعت صلوات ولم أحصل على شيء فكيف الآن وقد قبضت ألف دينار

حاييم: هل تعرف يا رابح أنك أنت الوحيد الذي لم تعذبني ووافقت مباشرة دون أن تفعل مثل البقية

رابح:لا تنس يا عزيزي أني تاجر،والتجارة شطارة

حاييم: فعلاً معك حق ،إلى اللقاء يا عزيزي ولا تنس أن توزع بعض الصدقات من هذه النقود0

(يضحكان ويمضي رابح بصحبة اليعازر)

حاييم: من دون أن تتفوه بكلمة يا اليعازر ، إني أعلم ماذا تريد أن تقول

اليعازر:سيدي، لقد أضعت الكثير من أموالك في هذا اليوم فأرجوك وأتوسل إليك أن تخبرني لماذا تفعل هذا وما هي الفائدة التي تجنيها من إضاعة كل هذا المال ؟

حاييم: قل لي يا اليعازر كم رجل يجلس الآن في دكاني ينتظر طلوع الشمس؟

اليعازر:أبو محمود المؤذن والقاضي معتز والأستاذ شامخ والتاجر رابح

حاييم: إذن لم يبق إلا رجل واحد ينتظره كرسيه الذي سيجلس عليه

اليعازر:ومن هو يا سيدي؟

حاييم: إمام المسجد ، الشيخ راضي ، وبعدها سوف أخبرك بالسر الذي طالما اشتقت إلى أن أبوحه إليك

اليعازر:وها هو قد وصل يا سيدي ، ها هو الشيخ راضي يسير ببطء تجاه المسجد

حاييم: عظيم جداً، دعه بادئ الأمر ينظر إلى المسجد الخالي ثم ائتني به

اليعازر:حاضر يا سيدي

(يدخل الشيخ راضي وهو يمشي ببطء متكأ على عكاز)


حاييم: أهلاً أهلاً أهلاً بشيخنا المبجل المحترم ، كيف حالكم يا شيخنا وكيف هو خاطركم الشريف؟

الشيخ راضي: (يتكلم بضيق) كفى كفى يا حاييم، قل لي ماذا تريد وما الذي دعاك إلى طلبي؟

حاييم: لقد اشتقت لرؤيتكم يا شيخنا ولأكحل عيناي بطلتكم البهية فهل هذا سبب بسيط!

الشيخ راضي:لا تراوغني يا ولد ولا تطيل علي فالكل ينتظرني في المسجد

حاييم: لقد نظرتَ إلى المسجد يا شيخنا ووجدته خالٍ، فكيف تقول أن الجميع بانتظارك؟

الشيخ راضي:وهل تراقبني يا ولد؟ والله لولا سني الكبير لأوسعتك ضرباً بهذه العصا

حاييم: حاشا لله ، ولكني أقف هنا وشاهدتك وأنت تتوجه إلى المسجد قبل أن يأتيك اليعازر ويطلب منك أن تشرفني بحضورك لعندي

الشيخ راضي:ومن قال لك أن المسجد خاوٍ، هل تراقبنا يا ولد؟

حاييم: معاذ الله يا شيخنا ولكني أقف هنا قبل آذان الفجر ولم أرى لهذه اللحظة أحداً جاء للمسجد سواك

الشيخ راضي:وماذا تعمل في هذه الساعة، ها، تريد أن تراقب المسلمين ومن يأتي للصلاة ومن لا يأتي ،هه؟

حاييم: حلمك علي يا سيدي فلقد كنت أقف أراقب بعض البضائع التي أدخلها عمالي إلى الدكان

الشيخ راضي:حسناً حسناً، والآن دعني أنصرف فأنا مشغول جداً

حاييم: مهلاً يا شيخ فأنا أريد أن أحدثك بأمر إن لم يكن عندك مانع

الشيخ راضي:وما هو هذا الأمر؟ قل واختصر

حاييم: ما رأي شيخنا أن أعطيه مئة دينار؟

الشيخ راضي:ولماذا؟ ومقابل ماذا؟

حاييم: مقابل ألا تصلي الفجر هذا اليوم

الشيخ راضي: (بغضب)خسئت أيها الوغد، والله لولا سني الكبير لأوسعتك ضرباً بهذه العصا

حاييم: ولماذا أيها الشيخ ، هل ترى أن المبلغ قليل ، نستطيع أن نرفعه ونجعله مائتا دينار، هه ما رأيك بمائتا دينار يا شيخ؟

الشيخ راضي:قلت لك اغرب عن وجهي قبل أن ينفد صبري

حاييم: طيب ما رأيك بثلاثمائة دينار؟

الشيخ راضي:ماذا تريد أيها الحقير؟، تريد أن يقول الناس أن الشيخ راضي قد أخذ مالاً مقابل أن يدع صلاته ، أتريد الناس أن يقولوا أن الشيخ راضي قد باع دينه؟

حاييم: ومن هؤلاء الذين سيقولون هذا يا شيخ، إن الذين تخشى من ألسنتهم يجلسون في دكاني ينتظرون طلوع الشمس وكلهم قد قبض

الشيخ راضي:ومن هؤلاء الذين يجلسون في دكانك ينتظرون طلوع الشمس؟

حاييم: أبو محمود المؤذن والقاضي معتز والأستاذ شامخ والتاجر رابح، الكل وافق وقبض الثمن وجلس ينتظر طلوع الشمس

الشيخ راضي: (بحركة تمثيلية) إلا أنا،000 إلا أنا، فأنا أخشى الله ، وأخشى يوم يقوم فيه الناس للحساب ، وأعرف أن الموت حق وأن الساعة حق وأن الجنة حق وأن النار حق وأن الله يبعث من في القبور

حاييم: أحسنت يا شيخ ، أحسنت ، ولكن هذا الكلام قله على المنبر وأنت تحدث الناس وتخطب لهم

الشيخ راضي:ماذا تقول أيها الوغد 000والله لولا سني0000

حاييم: (مقاطعاً) الكبير لكنت أوسعتني ضرباً بهذه العصا ، حفظتها عن ظهر قلب ، ،اسمع يا شيخ سأعطيك أربعمائة دينار إذا وافقت على ما وافق عليه الآخرون

الشيخ راضي:أتعتقد أن هذه العباءة وهذه الجبة وهذه اللحية أبيعهم بأربعمائة دينار

حاييم: حسناً، وبكم تبيعهم إذن؟

الشيخ راضي:اخرس يا ولد

حاييم: يا شيخ راضي كفاك، كفاك يا شيخ راضي ، فإني قد سئمت من تمثيليتك هذه، تريد أن تقنعني بما أقنعت به الأخرين مع أني أعرفك وأعرف عنك كل شيء

الشيخ راضي:وماذا تعرف يا ولد؟

حاييم: هل تذكر يا شيخ راضي حينما كنت شاباً تدرس في المدارس الدينية ، حينها كنت تهرب أنت وبعض أصدقائك وتدخلون السينما

الشيخ راضي:أنا!!!

حاييم: ولما أنهيت دراستك ذهبت إلى إحدى القرى وأخذت تعمل بالسحر وكنت تأخذ على جلب الغايب وحجاب المحبة والبغض الشيء الكثير

الشيخ راضي:أنا!!!!!1

حاييم: وكنت تطلب من الفلاحين أن يجلبوا لك السمن والعسل والبيض واللبن ، حتى الخبز كنت تأخذه منهم ، أي أنك كنت تعيش حياتك عالة عليهم

الشيخ راضي:أنا!!! !!!!!!

حاييم: ثم جئت إلى المدينة ولبست جبة خضراء وأصبحت شيخ طريقة فألتف حولك الكثير من الجهال الذين كانت تغويهم خزعبلاتك وقصصك الخرافية

الشيخ راضي:أنا لاأقبل 00

حاييم: ( مقاطعاً ) وكنت تسلب منهم المال الكثير بحجة أنك ستنفق هذا المال على الفقراء حتى ترتفع درجتهم ومكانتهم عند الله ولكنك كنت تأخذ هذا المال لجيبك الخاص

الشيخ راضي:أنا، أنا، أنالا أسمح

حاييم: ثم عملت في مديرية الأوقاف فأرسلوك لتجمع التبرعات لبناء مسجد ، فكنت تختلس وتسرق الشيء الكثير ، حتى شعروا بك وأحالوك إلى التحقيق، ولولا معارفك هناك والمال الذي بعثرته بين كبار المسؤليين لكنت قد طردت من عملك

الشيخ راضي:أنا00أنا

حاييم: ثم جئت إلى هذا المسجد فأخذت تجمع الصدقات من الناس وتضع جلها في جيبك وجيب شريكك أبو محمود وتسرقا أشياء كثيرة من المسجد

الشيخ راضي:ثم ماذا؟

حاييم: ألا يكفي هذا يا شيخ راضي أم تريدني أن أكمل؟

الشيخ راضي:يبدو أنك قد تحريت عن ماضيي بشكل جيد يا حاييم

حاييم: نعم يا شيخ راضي، وأنا الآن أعرض عليك هذا المبلغ ،فماذا تقول؟

الشيخ راضي:هل أنت مستعد أن تدفع لي خمسمائة دينار يا حاييم؟

حاييم: من أجل عباءتك وجبتك ولحيتك هذه سأدفع لك خمسمائة دينار يا شيخ راضي، يا اليعازر

اليعازر:نعم يا سيدي

حاييم: أعط راضي خمسمائة دينار واذهب معه إلى دانيال حتى يجلس مع الأخرين بانتظار طلوع الشمس

اليعازر:حاضر يا سيدي

حاييم: اذهب معه يا راضي ولا تنسى أن تدعو لنا ، لعل الله أن يجعل هدايتنا على يديك

الشيخ راضي:إلى اللقاء يا سيد حاييم

حاييم: إلى اللقاء يا راضي

(يخرجا من خشبة المسرح ثم يعود اليعازر)


اليعازر:ألم يحن الوقت أن تخبرني بسر تضييع نقودك بين هؤلاء المسلمين يا سيدي؟ لقد وعدتني أن تخبرني بكل شيء بعد أن يأتي الشيخ راضي ويقبل هو الأخر أن يأخذ منك المال ويدخل الحظيرة مع الباقين

حاييم: نعم يا اليعازر لقد حان الوقت الذي سأخبرك فيه عن هذا السر الذي تحيرت من أجله

اليعازر: أرجوك يا سيدي فأنا في غاية الإشتياق لأن أعرف ما هو السر

حاييم: أتذكر يا اليعازر ماذا كنت تقول لي قبل أن يأتي هؤلاء المسلمين لعندي ويقبلوا عرضي الذي عرضته عليهم

اليعازر:لقد نسيت ماذا كنت قد قلت يا سيدي

حاييم: كنت خائفاً منهم جداً يا اليعازر وكنت تطلب مني أن نغادر المكان قبل أن يرانا أحد منهم

اليعازر:صحيح يا سيدي لقد تذكرت

حاييم: والآن يا اليعازر كيف تنظر إليهم وأنت تراهم جالسين بذلٍ وهوان ينتظرون طلوع الشمس حتى يتحرروا من حراسةدانيال

اليعازر:بصراحة لقد سقطوا من عيني ولم أعد أعرهم اهتماما

حاييم: هذا ما أردت أن تشعر به يا اليعازر من خلال ما رأيتني أفعله معهم ، أن يسقطوا من عينك وألا تعرهم اهتماماً

اليعازر:ولكن يا سيدي هل يعقل أنك فعلت كل هذا وأنفقت كل هذا المال من أجلي أنا!

حاييم: لا يا اليعازر، لقد فعلت هذا ليس من أجلك فحسب، بل من أجل كل اليهود، ولعلمك فأنا لم أنفق قرشاً من جيبي إنما قد جاءني المال من منظمات يهودية ، أعطتني المال وأمرتني أن أفعل هذا ، ولست وحدي بل في كل مدينة يوجد فيها يهود أعطت هذه المنظمات المال لأكبر تاجر يهودي ليفعل نفس الشيء الذي فعلته مع المسلمين

اليعازر:ولماذا يا سيدي؟ وما هي الفائدة من إنفاق كل هذه الأموال؟

حاييم: هذه الأموال لا قيمة لها مقابل ما حصلنا عليه يا اليعازر، لقد كسرنا نفوس المسلمين وأذللناها وعرفنا أن معبودهم الحقيقي هو المال، لقد تركوا إلههم من أجل المال، فعلمنا بعد هذه التجربة أنه من المستحيل أن يعودوا ويجاهدوا ليحرروا مقدساتهم وأراضيهم مهما علت أصواتهم ومهما ضمتهم المؤتمرات وارتفعت حناجرهم بالتنديد والشجب والخطب الرنانة

اليعازر:وما دخل ذلك يا سيدي؟

حاييم: لأن من يبيع دينه من أجل حفنة من النقود يبيع عرضه ويبيع أرضه بل ويبيع مقدساته ولا يعود يسأل عنها أبدا،اسمع يا اليعازر ، هذه الصلاة هي صلاة الصبح والقليل القليل من المسلمين يأتي لصلاتها في المسجد، أي أن صفوة المسلمين وأكثرهم تديناً يأتي لصلاتها وأما بقية المسلمين فإنهم إما يصلونها في بيوتهم وإما ينامون عنها ولا يصلونها، فإذا كان المتدينين قد باعوا صلاتهم بأبخس الأثمان فما بالك ببقية المسلمين!

اليعازر:لا شك سيبيعونها بأقل من ذلك بكثير يا سيدي

حاييم: أحسنت يا اليعازر، هذا صحيح

اليعازر:لم تخطر ببالي أبداً هذه الفكرة الجهنمية يا سيدي

حاييم: هناك أشياء كثيرة ستتعلمها في حينها يا اليعازر، يجب عليكم أنتم الناشئة اليهود أن تحملوا على كواهلكم القضية التي دفعنا الكثير من أجلها وعليكم أن تسيروا في الطريق الذي مهدناه لكم نحن وآباؤنا من قبل وأن تستغلوا الفرصة الذهبية التي يقدمها لنا المسلمون

اليعازر:وما هي تلك الفرصة يا سيدي؟

حاييم: سباتهم العميق الذي هم فيه والذي لا يوقظهم منه إلا دينهم، أما وقد جعلناهم يتركون دينهم وشريعتهم وكلام ربهم وسنة نبيهم ويلحقون ببعض الأفكار والمذاهب من شيوعيةوليبرالية واشتراكية وديموقراطية وعولمة وما إلى ذلك من أفكار اخترعناها لهم وأشعناها بينهم وجعلناهم ينظرون إليها على أنها النور المبين وأنها الطريق إلى الحرية والخلاص من سرابيل الظلام وجعلناهم ينظرون إلى دينهم بأنه متزمت ورجعي وإرهابي ويشدهم إلى الظلام والتخلف والجهل ،فطالما هم كذلك سنبقى دائماً أسيادهم وستبقى دوماً أقدامنا تطأ روؤسهم

اليعازر:ولكني أتعجب يا سيدي كيف استطعت بهذه البساطة أن تستلب قلوبهم وعقولهم فباعوا دينهم واتبعوك؟

حاييم: حق لك أن تعجب يا اليعازر ولكن إذا عرف السبب بطل العجب، إن بيع هؤلاء المسلمين صلاتهم ودينهم إنما كان سببه تلك التراكمات الكثيرة التي روجناها بينهم

اليعازر:وما تلك التراكمات؟

حاييم: الفساد الذي أشبعناهم فيه حتى صار كالهواء الذي يستنشقونه ولا يستطيعون العيش بدونه أبداً، انظر إلى حالهم يا اليعازر ، نساؤهم كاسيات عاريات ،كثر الدياثون بين رجالهم فكم من رجل لا شرف لديه ولا نخوة يرضى أن تخرج نساؤه من غير حجاب بل ويفخر بذلك ، بل أن بعض الرجال والنساء الذين دعمناهم وأطلقنا عليهم ألقاب الأدباء والمبدعين جعلناهم يشتمون الحجاب علانية ويسخرون منه، ثم انظر إلى الخمور كم هي منتشرة في بلادهم بل أن بعض البلدان تباع فيها الخمور علانية ثم تدعي أنها دول إسلامية ، أم لعلك نسيت الكازينوهات والملاهي الليلية ودور البغاء التي تعج بها أكثر بلدانهم ، أما من كان متمسك بقشور الإسلام ولا يذهب إلى تلك الملاهي فلقد جعلنا من بيته ماخوراً دون أن يدري ، فلقد أرسلنا عليهم سيلاً من محطات تلفازية مليئة بكل أنواع الفجور والفساد، ثم انظر إلى أعمالهم لقد حولناهم إلى شعوب مستهلكة لا تقدم ولا تؤخر ولا تحسن شيئاً في الدنيا إلا أن تستهلك ما نقدمه لها، انظر إلى عباداتهم لقد حولناها إلى مهرجانات ،فصيامهم حولناه إلى مهزلة يقضوها بين التلفاز والمذياع ،يصومون بالنهار ونسلب منهم أجر صيامهم في الليل بالبرامج الخليعة والنساء العاريات بحجة إكرام شهر الصيام، حتى علماؤهم الذين يطمئنون لهم استوعبناهم وجعلناهم ينطقون بمفهومنا للأمور وجعلناهم معاول تساعدنا على هدم دينهم ،أما من كان منهم مخلصاً لدينه فقد ألبنا عليه الحكام فمنهم من قتلوه ومنهم من سجنوه ومنهم من ألجموه وأخرسوه ، يا اليعازر إننا ما تركنا لهم شيئاً أبداً حتى لباسهم أخذوه منا ، حتى طعامهم وشرابهم أخذوه منا ، فككناهم دينياً واجتماعيا وجعلناهم بلا أخلاق ولا دين حتى نجحنا بأن نجعلهم يتركون الجهاد وينخدعون بسراب السلام الذي يتمنونه هم ليستمروا في ملذاتهم ولا نتمناه نحن لنبقى دائماً أسيادهم لقد تركوا دينهم بتركهم للجهاد فهانوا على الناس وأذاقهم الناس كأس الذل والهوان ، أبعد كل هذا تتعجب يا اليعازر!

اليعازر:صدقت يا سيدي ، وسنظل من بعدكم نكمل نفس المسيرة حتى لا يفيق العملاق ويخرج من قمقمه0000سيدي ، يا سيدي انظر من القادم هناك

حاييم: من يا اليعازر؟

اليعازر:إنه محب الدين يا سيدي

حاييم: ومن محب الدين هذا؟

اليعازر:إنه شاب فقير ومسكين من أهل الحارة

حاييم: لم أسمع به من قبل

اليعازر:انظر يا سيدي،إنه يهرول مسرعاً قِبَل المسجد

حاييم:اذهب بسرعة وأحضره لي

اليعازر:حاضر يا سيدي

(يخرج اليعازر من خشبة المسرح ويعود ومعه محب الدين)

محب الدين :ماذا تريد يا حاييم؟

حاييم:أهلا أيها الشاب ،لم أرك من قبل فأحببت أن أتعرف عليك

محب الدين :أنا رجل فقير فمن أين لك أن تعرفني وأنت تاجر كبير وأنا كما ترى لست من الأعيان ولا من الأغنياء

حاييم:نعم هذا واضح ، إلى أين أنت ذاهب؟

محب الدين :إلى المسجد ، لقد تأخرت عن الصلاة

حاييم:هل ألقيت نظرة إلى المسجد ورأيته خالياً؟

محب الدين :نعم ، هذا صحيح ، لا يوجد أحد من المصلين

حاييم:أتدري لماذا؟،إنهم جميعاً في ضيافتي

محب الدين :لم أفهم!،كيف ذلك؟

حاييم:المؤذن أبو محمود والقاضي معتز والأستاذ شامخ والتاجر رابح والشيخ راضي كلهم يجلسون في دكاني وتحت حراسة صانعي دانيال ينتظرون طلوع الشمس بعد أن باعوني صلاتهم

محب الدين :وكيف ذلك؟

حاييم:كل واحد منهم أخذ مبلغاً محترماً من المال وجلس في دكاني ينتظر طلوع الشمس دون أن يصلي الصبح ، ولم أكن أعرف أن أحداً يأتي لصلاة الفجر غيرهم حتى جئت أنت ، فقل لي الأن : كم تريد أن أدفع لك لتجلس معهم؟

محب الدين : (بغضب)خسئت يا عدو الله فلست ممن يباع دينه ويشترى

حاييم:اسمع يا بني ، لقد تعبت من كثرة الكلام ، فهات من الأخر وخلصني ، فإذا كان القاضي والمعلم والتاجر والمؤذن والشيخ قد باعوني صلاتهم أيعقل أن تبقى أنت خاصة أنك فقير ومحتاج كما يبدو عليك ، سأعطيك خمسين ديناراً فما رأيك؟

محب الدين : (بغضب) قلت لك خسئت يا عدو الله وإني والله أشك في كلامك ولا أظن أن أولئك الأفاضل قد فعلوا هذا

حاييم:تستطيع أن تمد رأسك وتنظر إليهم من هنا

محب الدين : (يمد رأسه خارج خشبة المسرح) إن كانوا فعلوا هذا فهم ملاعين مثلك ، عبَاد للمال ، أما من يعبد الله فلا تشترى صلاته حتى بملء الأرض ذهباً

حاييم:دع هذا الكلام يا محب الدين فلقد سمعته كثيراً هذا اليوم ، سأعطيك مئة دينار ،هه ما رأيك،هيا يا اليعازر أعطه مئة دينار ودعنا نمضي

محب الدين : (بغضب شديد) اسمع أيها الخنزير ،والله لو عدت لمثل هذا الكلام لأقطعنَ رأسك وألقيه في صندوق القمامة

حاييم:ماذا تقول!(يغير لهجته ويتحدث بلطف ومسكنة)لماذا أنت يا حبيبي غاضب إلى هذه الدرجة ، فأنا أريد مساعدتك كما ساعدت الأخرين

محب الدين :إنما تريد أن تدخلني معك إلى النار ، النار التي ستكون مثوى لك ولمن باع دينه وصلاته

حاييم:اسمع يا محب الدين،سأعطيك ألف دينار إذا تركت صلاتك في هذا اليوم فقط

محب الدين :مسكين أنت أيها اليهودي العجوز تظن أن كل شيء يباع ويشترى بالمال حتى الصلاة

حاييم:سأعطيك ألفا دينار، ما رأيك؟

محب الدين :رأيي أنك كافر لا تؤمن بالله ولا تعرف أيها المسكين لذة مناجاة الله عز وجل وأنها لا تقدر بكنوز الدنيا قاطبة

حاييم:حسناً، أريد أن أطرح سؤالاً عليك يا حبيبي

محب الدين :وما هو؟

حاييم:هل أنت متزوج؟

محب الدين :نعم وعندي ولد والحمد لله

حاييم:كم عمر ابنك؟

محب الدين :عشرة أعوام

حاييم:وهل يدرس؟

محب الدين :نعم إنه يدرس في المدرسة وأعلمه أنا حفظ القرآن وأمور دينه باستمرار

حاييم:إذن اسمع مني يا محب الدين ، أنت رجل فقير ولكنك طموح ،عندك ولد تريد أن تربيه تربية صالحة حتى تفتخر به في المستقبل وهذا قمة الطموح، ولكن ليس في الطموح وحده يا بني تستطيع أن تربي ابنك ،لا بد لك من المال ،لذا سأعرض عليك ثلاثة ألاف دينار تأخذها ولا تصلي الفجر فقط في هذا اليوم ثم تستطيع أن تقضي صلاتك فيما بعد ،فما رأيك يا حبيبي؟

محب الدين :اسمع يا حاييم ، ليس عندي وقت أضيعه مع رجل كافر مثلك ، أنت لا تقيم وزناً للدين وبالتالي لا تعترف بالصلاة فهي عندك رخيصة، أما أنا فلو أعطيتني مال الدنيا قاطبة ما تركت نافلة أصليها

حاييم:سأعطيك أربعة ألاف دينار

محب الدين :أنت تضيع وقتي يا حاييم

حاييم:سأعطيك خمسة ألاف دينار

محب الدين :اسمع يا حاييم، إن زوجتي تملك ذهباً بهذه القيمة، فما رأيك لو طلبت منها أن تبيع ذهبها وتأخذه أنت بشرط أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله

حاييم:ماذا تقول ؟! أنا لا أترك ديني أبداً

محب الدين :فكيف تريد مني أن أترك أنا ديني أيها الغبي!

حاييم:يا محب الدين اسمع مني، إن الحياة قاسية والإنسان يحتاج للمال ليؤمن معيشته وهذا رزق ولدك قد ساقه الله إليك فلم ترفضه!

محب الدين :إن الله سبحانه وتعالى لم يجعل رزقنا فيما حرم علينا وإن الرزق من عند الله إن شاء أعطاني وإن شاء منعني وأنا في كلتا الحالتين شاكر حامد له إنما أسأله تعالى أن يجعل مثواي الجنة وهذا عندي هو السعادة الحقيقية، أما مالك فهو سعادة مؤقتة تنتهي بموتك أو مرضك ولن يغنيك هذا المال شيئاً ، أرجو أن تكون قد فهمت وأن تدعني وشأني

حاييم: اسمع يا محب الدين سأعرض عليك عرضاً لم أعرضه على أحد من قبلك من أولئك الرجال ، ما رأيك أن تأخذ عشرة ألاف دينار وتجلس معهم ، صدقني يا بني إني لك من الناصحين ، تأخذ نصف المبلغ لك ولزوجتك ولإبنك والباقي تتبرع فيه لمسجد أو تعطيه للفقراء وعندها سيدخل الخير والحبور على كثير من الناس بسببك فيدعون لك ويباركون عملك وعندها سيغفر الله لك تركك لهذه الصلاة

محب الدين : (يبتسم)إن مثلك يا حاييم كمثل الشيطان ، قال الله تعالى :

(إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين)


أتأمرني أن أترك صلاتي من أجل مال أقدمه لمسجد يصلي فيه الأخرون ، أم تريد مني أن أعطيه للفقراء ليستفيدوا منه بينما يلحقني أنا الويل والثبور ، يا حاييم دعني وشأني فبيني وبينك جبال ووديان لا أصل إليك ولا تصل إلي

حاييم:يا محب الدين اسمع مني إن الله غفور رحيم

محب الدين :ولكنه شديد العقاب أيضاً يا حاييم

حاييم:اسمع يا محب الدين سأعطيك عشرين ألف ديناريا حبيبي

محب الدين : يا أخي حبك برص ، إليك عني يا عدو الله، والله لو ملكتني الدنيا وما فيها على أن أترك صلاة نافلة يدخل إلى قلبك الفرح إذا تركتها لما قبلت ولا رضيت

حاييم:ولكن ها هو الشيخ والمؤذن والقاضي والمعلم والتاجر قد وافقوا ومقابل مبالغ هي أقل بكثير مما أعرضه عليك

محب الدين :إنهم طلاب دنيا وقطاع طرق ،يقطعون الطريق بين العبد وربه ،إنهم ذئاب في ثياب رهبان وفساق في ثياب عبَاد

حاييم:كلهم فساق وأنت وحدك المؤمن؟!، اسمع يا محب الدين سأعرض عليك عرضاً أخيراً

محب الدين :ألا تنتهي عروضك السخية يا حاييم؟ يبدو أنك لا تفهم

حاييم:لا هذه المرة لن أعرض عليك نقوداً يا حبيبي بل أعرض عليك أن تقابل هؤلاء الرجال تسمع منهم ويسمعوا منك فإما أن تقتنع منهم وإما أن يقتنعوا منك

محب الدين :حسناً،أنا موافق على ذلك فلعل الله يجعل هدايتهم وعودتهم إلى الصراط المستقيم على يديَ ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

(لئن يهدي الله بك رجلاً خير لك من حمر النعم)


حاييم:إذن هيا امض إليهم فهم جلوس في دكاني وما زال هناك متسع من الوقت حتى تطلع الشمس

(يمضي محب الدين إلى خارج خشبة المسرح)


اليعازر:ألا تخاف يا سيدي أن يؤثر هذا الشاب على أولئك الرجال فيرجعوا لك المال ويمضوا معه إلى المسجد ويصلوا الفجر؟

حاييم:لا يا اليعازر، لأن من وضع المال في جيبه وذاق حلاوته لا يرجع ويخرجه من جيبه أبداً

اليعازر:ولكن يا سيدي قد يؤثر عليهم بحلاوة كلامه وشدة منطقه

حاييم:إذا كان كلام ربهم وأحاديث نبيهم لم تؤثر فيهم ولم يلقوا لهما بالاً ،فكيف يؤثر كلام هذا المسكين فيهم، تعال يا اليعازر نتجسس عليهم لنسمع ماذا يقولون


محب الدين :ما الذي أراه أيها السادة !، ما الذي أراه أيها المسلمون!، ماذا أرى يا مؤذننا الصالح ويا شيخنا المبجل ويا قاضينا العادل ويا أستاذنا الفاضل ويا تاجرنا الصدوق ، تركتم صلاة الفجر وتجلسون في دكان اليهودي أذلاء مطأطئي رؤوسكم في يد كل واحد منكم كوباً من الشاي تشربونه بذل وهوان تنتظرون طلوع الشمس حتى يُفَك أسركم وتمضوا إلى بيوتكم ، أبعتم دينكم وصلاتكم يا أصحاب اللحى ويا أصحاب المقامات ؟

القاضي معتز:اخرس يا ولد ، كيف تجرؤ على مخاطبتنا بهذه الطريقة!

الأستاذ شامخ: من أدخل هذا المجنون إلى هنا؟ ، سيفضحنا هذا الملعون

رابح: لقد فعلها حاييم ، يريد أن يفضحنا بين الناس

محب الدين :تخافون من الفضيحة بين الناس ولا تخافون من رب الناس ؟، ألم تكن يا شيخ راضي تقول لنا دوماً أن الخشية يجب أن تكون لله وحده؟، ألم يكن هذا كلامك أم هو النفاق؟

الشيخ راضي:اخرس يا ولد فوالله لولا كبر سني لأوسعتك ضرباً بهذه العصا ، أبلغت الجرأة في الشبان أن يتطاولوا على الأئمة والعلماء!!
أبو محمود: (يقترب من محب الدين) ماذا فعلت يا محب الدين؟كيف تخاطب إمامنا بهذه الطريقة ؟!، هيا أسرع وانكب على يده وقبِلها قبل أن يصيبك غضب من الله

محب الدين :إنه إمامك أنت يا أبا محمود، إمامك في الضلالة ، أما أنا فإمامي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لو وضعوا الشمس عن يمينه والقمر عن شماله على أن يتبدل عما هو فيه لما فعل

الأستاذ شامخ: (بغضب)أين حاييم الذي أدخل هذا المجنون إلى هنا؟ والله إذا رأيته لأشتمنه

محب الدين :لن تجرأ على شتمه يا أستاذ شامخ لأنه ولي نعمتك ولأن ماله في جيبك ، ماذا حلَ بكم أيها المسلمون بعتم صلاتكم وقبضتم ثمنها، ألا تخافون الله؟؟، هيا قوموا إلى صلاتكم قوموا إلى مسجدكم

رابح:هذا ليس شأنك يا محب الدين

محب الدين :بل هو شأني يا رابح فأنتم القدوة عند أهل الحارة فإذا بعتم صلاتكم ماذا نفعل نحن إذن؟

الشيخ راضي:يا بني اجلس معنا فالأمر أيسر مما تظن

محب الدين : (بتهكم)وكيف ذلك يا شيخنا المبجل

الشيخ راضي:سنقضي الصلاة عندما تطلع الشمس

الأستاذ شامخ:وعندها سيتوب الله علينا فالله تواب رحيم

رابح:والله0000والله يا جماعة

أبو محمود:صادق من غير حلفان يا رابح

رابح:والله يا جماعة لأصليَن عشر ركعات مع قضاء صلاة الصبح

الشيخ راضي:ما شاء الله، ما شاء الله

رابح:ولأصومَن ثلاثة أيام

الشيخ راضي:ما شاء الله، ما شاء الله

رابح:ولأطعمَن عشرة مساكين

الشيخ راضي:ما شاء الله، ما شاء الله، نِعَم العبد أنت يا رابح

محب الدين :هل انتهيتم من تهريجكم هذا أم ما زال عندكم لغطاً ولغواً تتفوهونه، والله لو صمت الدهر كله وأطعمت فقراء المسلمين قاطبة ثم تركت صلاةً عمداً لما تقبل الله منك يا رابح

الشيخ راضي:والله عال!، تريد أن تفتي أيها الجاهل؟، هذه مشكلتنا نحن معشر المسلمين كل واحد يريد أن يفتي من غير علم ولا بينة

محب الدين :وما هي بينتك أنت يا حامل الأسفار؟

الشيخ راضي:بينتي أن هذا المال الذي أخذناه هو مال يهودي واليهود أعداؤنا كما تعلمون لا يتورعون عن قتل المسلمين وتشريدهم فإذن يحل لنا مالهم بأي طريقة كانت وبأي حيلة نكتسب مالهم فهو غنيمة لنا

أبو محمود:أحسنت يا شيخ

الشيخ راضي:قل لي يا محب الدين لو أننا لم نأخذ هذا المال من ذلك اليهودي فأين إذاً سيصرفه وينفقه؟، سيعطيه يا بني لقومه الذين سيستخدمون هذا المال بدورهم في تشريد المسلمين وقتلهم، أنكون إذاً مخطئون لو أخذنا هذا المال ومنعنا القتل والتشريد عن إخواننا؟!،(يهب واقفا ويتكلم بأسلوب خطابي) فنحن بأخذنا هذا المال لنا الأجر والثواب عند الله ونحتسب عند الله صلاتنا التي ضحينا بها من أجل إخواننا المستضعفين،من أجل الأيتام، من أجل الأرامل، من أجل الثكالى، من أجل الأسرى، ونحن لن ننساك يا فلسطين ، لن ننساك يا قدس ،ونحن قادمون وإن طال الليل وإن طال الدجى

رابح:ونِعَم الرأي يا شيخ راضي، هكذا يا جماعة يكون العلم أو لا يكون

القاضي معتز:لقد سخًر الله لنا ذلك اليهودي الساذج الذي أعطانا ماله على طبق من ذهب ، أنرفض نحن هذا المال حتى يستعمله اليهود في قتل المسلمين وتشريدهم؟، نحن إن فعلنا ذلك نكون قد أسأنا ولم نحسن واستحقينا العقوبة من الله والعياذ بالله

الأستاذ شامخ:هذا هو الفرق بيننا وبينك يا بني، نحن نفكر بعقولنا وأنت تفكر بقلبك

الشيخ راضي:فالمؤمن يا بني كيِس فطن وعليه أن يستغل الفرص دوماً

أبو محمود:اجلس معنا يا محب الدين فأنت عندك ولد تريد أن تربيه وتربيته ليست بالأمر الهين، أنت رجل فقير وقد ساق الله لك رزقاً من ذلك اليهودي فلا ترفض يا محب الدين

محب الدين :هل انتهيتم من كلامكم المعسول هذا أم ما زال عندكم ما تقولونه؟هل تريدون أن تقنعوا أنفسكم بهذا الكلام أم تريدون إقناعي أنا به ؟ ولكن اسمعوا إلى قولي: أيها الرهط كيف تقولون أن هذا مال يهودي يحق لكم أخذه وتنعتون صاحبه بالسذج بينما صانعه دانيال جالس بينكم، ألا يجيبني أحد؟(يطرقون رؤوسهم)، إذن سأجيبكم أنا، لأنه ليس عند واحد منكم قناعة بهذا الكلام ولأنكم تعلمون ويعلم اليهودي حاييم أنكم ما تفوهتم بهذا الكلام إلا لتدرأوا عن أنفسكم التهمة وتدفعوا عنكم سمة الخيانة

الشيخ راضي:هذا الشاب لا يريد أن يفهم

محب الدين :على رسلك يا شيخ راضي فلقد تحدثت بما تظنه علماً، أفلا يحق لي أن أسألك سؤالاً لأستفيد من علمك الغزير؟

الشيخ راضي:وما هو هذا السؤال أيها العبقري؟

محب الدين :لقد قلت أنك بأخذك هذا المال لقاء ترك صلاة الفجر تتقرب إلى الله وتخدم المسلمين، أليس كذلك؟

الشيخ راضي:نعم إنه كذلك

محب الدين :إذن لو طلب منك هذا اليهودي أن تشرب الخمر على أن يعطيك مالاً تنفقه على المسلمين لما مانعت ولو زاد المبلغ على أن تزني لما رفضت، أيها الشيخ إنك وأصحابك تعبثون بالدين، إنكم قطَاع طرق تقطعون الطريق بين الله سبحانه وتعالى وبين عباده، احتكرتم العلم وياليتكم احتكرتموه وأنتم مخلصون له بل جعلتم العلم مطية لخدمتكم وأداة لسلطانكم،علمكم في لحاكم وثيابكم لافي قلوبكم وعقولكم ،الناس خُدعوا بكم وبمظهركم واغتروا بكم فأنزلوكم منزلة المعصومين وجعلوا كلامكم قرآناً يتلى لا يقبل نقاش ،صموا آذانهم إلا عن أقوالكم ولقبوكم بأحسن الألقاب فمنكم مفتي الديار ومنكم الإمام الأكبر ومنكم العلامة ومنكم الفهامة ومنكم السماحة ومنكم ومنكم،بينما أنتم ذئاب ترتدي ثياب النساك ،والله إنكم وأمثالكم أشد على المسلمين من ذلك اليهودي ووالله إنه أشرف منزلة وأرفع درجة منكم على ما هو فيه من الكفر والإنحطاط ذلك لأنه يخدم دينه الذي حرَفه آباؤه وأنتم تبيعون دينكم الذي ضحى من أجله آباؤكم ،ماذا أقول لكم وهل ينفع معكم الكلام وقد ماتت قلوبكم وامتلأت نفوسكم بالكفر والطغيان والنفاق فهلا أرحتمونا يا إخوان الشياطين فنزعتم عنكم ملابس التقوى والخنوع وظهرتم للناس على حقيقتكم ،أنتم تعبدون المال ولا تعبدون الله إلا بألسنتكم أما قلوبكم فقد ران عليها حب المال والدنيا حتى لو كان على حساب الإسلام الذي تزعمون أنكم تحملون رايته، بعتوه لمن يدفع أكثر فأصبحتم علماءً للسلاطين وأبواقاً للكفار، إذا كنتم قد بعتم صلاتكم أيها القوم ببضعة ألاف فبكم تبيعون أعراضكم وبكم تبيعون أرضكم بل بكم تبيعون الأقصى وبكم تبيعون الكعبة يا إخوان الشياطين؟؟،أقول حسبي الله ونعم الوكيل واعلموا أن الإسلام باقٍ لن يموت بإذن الله وأنه ما زال هناك من يدفع حياته من أجل أن ترفع راية التوحيد في كل زمان وفي كل مكان ، أما أنتم فلقد قال الله عنكم وهو أصدق القائلين:

(قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا *الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا*أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا*ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا)

عن إذنكم أيها القوم فإني ذاهب لأصلي صلاة الصبح في المسجد فلم يبق إلا دقائق وتشرق الشمس ، أسف لأني أضعت وقتي معكم ولكن لتعلموا وليعلم ذلك اليهودي اللعين وليعلم كل الكفار الذين يكرهون الإسلام أن صلاة الفجر سوف تقام في المسجد ولن يستطيع أحد أن يمنعها بإذن الله

(يدخل حاييم واليعازر)


حاييم:اصبر يا بني فإني أريد أن أكلمك

محب الدين :إليك عني يا عدو الله

حاييم: (بينه وبين محب الدين)سأعطيك خمسين ألف دينار وأبقى هنا حتى تطلع الشمس

محب الدين :وفر عليك مالك أيها اليهودي فما زال هناك الكثير من الكلاب الجائعة التي تنتظر فتاتك حتى تلقيه لهم

(يخرج محب الدين)


القاضي معتز:سيفضحنا هذا الشاب وسينكشف أمرنا ونصبح حديث الحارة

التاجر رابح:سيمتنع الناس عن الشراء من عندي وربما امتنع التجار عن إيداعي بضائعهم والتعامل معي، يا ويلتي لقد ضاع كل ما قدمته هباء منثورا

الشيخ راضي:ستذهب هيبتي ووقاري بين الناس

الأستاذ شامخ:الحق عليك يا حاييم ،كيف فعلت بنا ذلك؟

الشيخ راضي:نعم ،كيف أخبرت محب الدين أمرنا ودللته على مكاننا؟

أبو محمود:لقد خدعتنا يا حاييم

حاييم:على رسلكم يا جماعة فالأمر ليس كما تظنون ، لقد خدعني هذا الشاب فعندما عرضت عليه مبلغاًمن المال مقابل أن يجلس معكم ويفعل مثل فعلتكم وافق مباشرة وأبدى تحمسه للأمر ، وعندما وصلنا إلى هنا تغيرت لهجته وأظهر ما كان في مكنون قلبه ، أليس كذلك يا اليعازر؟

اليعازر:صحيح يا سيدي

الأستاذ شامخ:إذن الأمر هكذا

القاضي معتز:لقد خدعنا هذا الشاب وهو الأن ماضٍٍ لا محالة ليفضحنا بين الناس

التاجر رابح:لا تخافوا يا جماعة فإنه إذا تحدث بأمرنا فلن يصدقه أحد

حاييم:كيف ذلك يا رابح ؟،أنسيت أن أبا محمود لم يؤذن اليوم

أبو محمود:هذا صحيح ، ثم إن محب الدين سمعته طيبة في الحارة ويعرفه الجميع انه صادق ولا يكذب

حاييم:حقاً لقد خدعنا هذا الشاب ولا أحد يدري ماذا يخبئ وراء فعلته هذه؟

الشيخ راضي:الأن عرفت ماذا يقصد بفعلته تلك

أبو محمود:ماذا يا شيخنا؟

الشيخ راضي:إنه يريد أن يبعدني عن الإمامة في المسجد ويستلمها عوضاً عني، وأنت تعرف ماذا يعني هذا يا أبا محمود، ولكن النجوم أقرب إليه من ذلك

أبو محمود:لقد كنت أراه يا شيخنا يجلس منفردا في زاوية من زوايا المسجد بعيداً عنا حين تعطي أنت الدروس بعد الصلاة ، وفي الآونة الأخيرة بدأت أرى بعض الشبان يتحلقون حوله ويبتعدون عنا

الشيخ راضي:وماذا يفعلون؟

أبو محمود:إنهم يقرأون القرآن ويتدارسون العلم وفي مرة وجدت معهم كتاباً يتحدث عن الجهاد يتدارسونه فيما بينهم

الشيخ راضي:وهل دروسي التي ألقيها على مسامع الناس ليست علماً!!، إن القصص والعبر التي أسردها وأرويها هي من أشرف العلوم

التاجر رابح:لا عليك يا مولانا فإنهم قوم جهلة

الأستاذ شامخ:إنهم فئة ضالة وهم شرذمة قليلون لا يؤثرون علينا

القاضي معتز:إنهم خوارج خرجوا عن جماعة المسلمين
أبو محمود : إنهم أرهابيون يشوهون صورة الدين

حاييم:لقد بان الأمر يا جماعة وظهرت نية هذا الشخص فأنتم وشأنكم وأنتم أدرى بمصلحتكم

الأستاذ شامخ:ماذا تقصد يا حاييم؟وما هو رأيك؟

حاييم:أنا لا أقصد شيئاً ولا أرى شيئاً ، الأمر لكم وهو متعلق بسمعتكم وأرزاقكم فانظروا ماذا تفعلون، أما أنا واليعازر ودانيال فسنمضي لبيوتنا ، هيا يا دانيال أغلق الدكان

الشيخ راضي:سنتشاور خارجاً، هيا يا جماعة

(تغلق الأضواء وتفتح على محب الدين وهو داخل المسجد يرفع يديه بالدعاء بينما تقترب منه المجموعة وتنقض عليه وتقتله وفي زاوية خشبة المسرح يقف حاييم واليعازر)

اليعازر:لقد فهمت الأن يا سيدي لِمَ طلبت من محب الدين أن يذهب ليقابل الجميع

حاييم:هناك الكثير من الأمور التي ستتعلمها في حينها يا اليعازر

اليعازر:طالما أنا معك فمؤكد أني سأتعلم الكثير يا سيدي

(يقهقهان بشدة)

(تغلق الأضواء وتفتح على رجلين يمشيان ويقفا في وسط الخشبة)

الرجل الأول:أسمعت أن محب الدين قد مات ؟

الرجل الثاني:سمعت أنه قد قُتِل

الرجل الأول:نعم، يقولون أنه قُتِل أثناء مشاجرة مع عصابته

الرجل الثاني:أي عصابة؟

الرجل الأول:عصابة لتهريب المخدرات، قتلوه عند الفجر وهو عائد إلى بيته يترنح وهو سكران حيث كان في حفلة راقصة مع الغواني

الرجل الثاني:اتق الله يا رجل !، لقد كان محب الدين رجلاً صالحاً

الرجل الأول:لقد كان يخدع الناس بمظهره يا مغفل ليبعد عن نفسه الشبهات

الرجل الثاني:ومن قال لك هذا؟

الرجل الأول:الكل يتحدث بهذا الأمر ، القاضي معتز والأستاذ شامخ والتاجر رابح وأبو محمود المؤذن حتى الشيخ راضي أخبرنا بذلك

الرجل الثاني:الشيخ راضي أخبركم بهذا؟

الرجل الأول:نعم

الرجل الثاني:إذن فالأمر كذلك، إذ ليس من المعقول أن يكذب الشيخ راضي

الرجل الأول:لقد أخبرنا الشيخ راضي أن أفراد العصابة قتلوه لأنه باع المخدرات ولم يعطِهم نصيبهم

الرجل الثاني:يا لطيف!!!!

الرجل الأول:ولكن الشيخ راضي طلب منا أن نترحم عليه،مسكين رحمه الله

الرجل الثاني:إيه ، اذكروا محاسن موتاكم

الرجل الأول:هيا بنا يا صديقي قبل أن نتأخر عن درس الشيخ راضي

الرجل الثاني:هيا بنا

(تغلق الأضواء وتفتح على الشيخ راضي وأمامه عدد من الناس جلوس في المسجد ومن بينهم أبو محمود وشامخ ومعتز ورابح، وفي طرف المسجد بعيداً عنهم يجلس غلام يقرأالقرآن)

الشيخ راضي: (بأسلوب خطابي )وبينما همَ الأعداء أن يوقعوا بالمريد صاح المريد صوتاً ونادى: يا شيخي أبو العلا فأجابه أبو العلا من بغداد قائلاً: لبيك يا مريدي

الجميع: (يصيحون)الله،الله،بركاتك يا شيخنا أبو العلا

الشيخ راضي:فألقى الشيخ أبو العلا عصاه من بغداد فألتقطها المريد وهو في القاهرة

الجميع: (يصيحون)الله أكبر، الله أكبر ،بركاتك يا أبو العلا

التاجر رابح:نعم يا شيخ نعم،أكمل يا شيخ

الشيخ راضي:فضرب المريد الأعداء ضربة نجلاء فقتلت منهم عشرة

الجميع: (يصيحون)الله،الله،بركاتك يا شيخنا أبو العلا بركاتك

القاضي معتز:زدنا يا مولانا زدنا

الشيخ راضي:ثم مال عليهم بعصا شيخه مرة أخرى فقتل منهم عشرة

الجميع: (يصيحون)بركاتك يا أبو العلا بركاتك

الرجل الأول:من ذلك الغلام الذي يجلس في زاوية المسجد منفرداً؟

الرجل الثاني:إنه محيي الدين ابن محب الدين الذي قُتِل الليلة الفائتة

الرجل الأول:وماذا يفعل هناك؟
الرجل الثاني:إنه يقرأالقرآن كما ترى

الرجل الأول:عجباً!،ولماذا لا يأتي ليستمع للدرس ثم بعد ذلك يقرأالقرآن؟

الرجل الثاني:إنه يفعل مثل أبيه فلقد كان هو الأخر يجلس منفرداً وكأن درس الشيخ راضي لا يعجبه

الرجل الأول:انظر هناك بعض الغلمان والشبان يتجمعون حول الصبي وهم لا يأتون ليستمعوا لدرس الشيخ

الرجل الثاني:سينظر الشيخ في أمرهم فلا تقلق ، والأن دعنا نكمل الإستماع للدرس فالقصة التي يحكيها الشيخ راضي شيقة جداً

الشيخ راضي:وبينما كَثُر الأعداء نادى المريد شيخه في بغداد وقال:مدد يا شيخي مدد،فأجابه شيخه من بغداد: لبيك يا مريدي، وقذف إليه بعصا ثانية

الجميع: (يصيحون)الله أكبر، الله الله ، مدد يا أبا العلا مدد

أبو محمود: (يتمايل بنغم )نعم يا شيخ نعم

الشيخ راضي:وعندها صاح المريد صوتاً وضرب العدو ضربة000000000000

(وبينما هو يتحدث تتجه الإضاءة نحو الصبي الذي يرتفع صوته تدريجياً ويختفي صوت الشيخ راضي بينما يظل يحرك يديه )

الصبي: ( يقرأ بصوت رخيم ) (ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين* يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون*هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)

تمت بحمد الله

السلام عليكم

الثلاثاء، 1 مارس، 2016

الثرثار




بسم الله الرحمن الرحيم
(المشهد الأول)
عندما خرج الطبيب من غرفة العناية المركزة كان الحزن بادياً على وجهه وسرعان ما تلقفه أبو حسن وبصحبته صديقه أبو ضياء اللذان بادرا الطبيب بالقول:
ها، طمنا يا دكتور
- بصراحة الحالة حرجة للغاية، ولا أخفيكما سراً أن الرجل إصابته بالغة، فلقد ارتطمت الجمجمة بصخرة صماء مما تسبب بارتجاج في المخ
- يعني ليس هناك أمل
- هو الأن في العناية المركزة ونحن نعمل ما بوسعنا والأمر كله بيد الله
مضى الطبيب بعد أن ربت على كتف أبا حسن الذي بدا عليه الانهيار التام ، بينما حاول صديقه أبو ضياء أن يخفف عنه
أبو ضياء: هون عليك يا أبا حسن فلعل الله أن ينجي توفيق
أبو حسن: كيف أهون علي يا أبو ضياء، هذا ثالث موظف يعمل عندي يحاول الانتحار منذ أقل من أسبوع، أولهم تيسير الذي رمى بنفسه من الشاحنة ثم عبد الله وها هو الأن توفيق يعمل نفس الشيء يرمي بنفسه من الشاحنة وهي منطلقة بسرعة كبيرة
أبو ضياء: سبحان الله!!، وما هو السبب في ذلك، ولماذا يرمون بأنفسهم بهذه الطريقة؟
أبو حسن: لا أدري يا أبو ضياء، إنه لغز محير فعلاً ، فعلى حد علمي فإن الثلاثة من خيار الناس ورعاً وتقوى وما كنت لأوظفهم عندي لولا أني أثق في دينهم وأنهم يخافون الله ، فأنت تعلم جيداً أنني أعمل بتوزيع البضائع في المدن الأخرى وأقوم بملء شاحنتي بالبضائع وأرسل الموظف بصحبة السائق إلى تلك المناطق وأنا بحاجة لرجل أمين حتى يحفظ لي مالي وهؤلاء الرجال من خيار الموظفين عندي، فكيف يقدمون على الانتحار وهم يعلمون جيداً مدى حرمة ذلك؟!
أبو ضياء: ألم تسأل السائق محمود عن السر الذي جعل الثلاثة يقدمون على هذا الفعل ؟
أبو حسن: لقد سألته فأخبرني أن واحدهم يكون في أحسن حال وفجأة وبدون مقدمات يصيح قائلاً ( اللهم اغفر لي) ويفتح باب السيارة المسرعة ويرمي بنفسه منها ليلقى مصيره المحتوم
أبو ضياء: حسبنا الله ونعم الوكيل لابد أن في الأمر إن
أبو حسن: أرجو منك يا أبو ضياء أن تبقى بصحبة الموظفين الثلاثة وأن ترعاهم إلى أن أعود من سفري
أبو ضياء: وهل تنوي السفر يا أبا حسن !
أبو حسن: أنا مضطر إلى أن أسافر بصحبة السائق محمود لأقوم بتوزيع البضائع عوضاً عن الموظفين، فأنا لا أستطيع أن أتأخر عن ذلك كما تعلم
أبو ضياء: حسناً يا أبا حسن اطمئن ، سافر أنت وأنا سأظل بجوارهم لن أفارقهم أبداً وسأحرص على خدمتهم حتى عودتك بإذن الله سالماً غانماً وإن شاء الله تراهم وقد عادت لهم صحتهم وشفاهم الله
أبو حسن: بارك الله بك يا أبا ضياء فنعم الصديق أنت
أبو ضياء: في أمان الله يا أبا حسن وصحبتك السلامة
المشهد الثاني( في الشاحنة)
أبو حسن: انطلق بنا يا بني على بركة الله
محمود: بسم الله توكلنا على الله، أرجو أن تكون هذه الرحلة موفقة يا معلمي وأن يرزقك الله فيها رزقاً وفيرا ، فأهم شيء عند التاجر أن تنفق تجارته ويربح فيها الربح الحسن، أنا خالي رحمه الله كان تاجراً وكان عندما يفتح دكانه يبقى عابساً حتى يبيع أول زبون وعندها ترى الضحكة قد علت وجنتيه أتدري لماذا ؟ لأنه كان00000
أبو حسن: رويدك رويدك يا بني، دعنا نقرأ دعاء السفر ثم بعد ذلك تستطيع الكلام كما تشاء
محمود: لقد أصبت يا معلمي فأهم شيء عندما ينطلق الرجل مسافراً أن يحصن نفسه بالدعاء، فالدعاء أهم شيء حتى يحفظنا الله من وعثاء السفر ومن مخاطر الطريق ، أمي رحمها الله كانت كثيرا ما تقول لجارتنا القديمة في الحي القديم الذي كنا نعيش فيه، حيث أننا قد بعنا المنزل منذ خمس سنوات وسكنا في الحي الجديد الذي يقع عند تقاطع00000
أبو حسن: مالي أنا ولأمك ولجارتكم القديمة والجديدة والحي القديم والجديد ؟ يا بني اسكت ودعني أكمل الدعاء وأقرأ سورة ياسين وبعدها تكلم كما تشاء
محمود: ما شاء الله وتحفظ سورة ياسين أيضاً ، ما شاء الله والله يا معلمي لقد توسمت فيك الخير منذ أن عملت عندك ، وقلت في نفسي إن هذا الرجل فيه صفة الصالحين، فقرأتك لسورة ياسين فيها الخير الكثير، أنا أبي رحمه الله كان دائماً يقرأ سورة ياسين وفي يوم من الأيام دخل عليه رجل فرآه يقرأ فقال له ماذا تقرأ يا أبو محمود فأجابه والدي00000
أبو حسن: يا رجل ما بك أنت؟؟!!، أقول لك اسكت فلا تزيد إلا كلاماً ، يا بني إن الرحلة طويلة وأمامنا متسع من الوقت تستطيع أن تتكلم كيفما تشاء ولكن الأن دعني أدعو ربي وأقرأ القرآن
محمود: حسناً يا معلمي لا تؤاخذني ( يسكت برهة من الوقت) أتدري يا معلمي لقد حزنت كثيراً على تيسير وعبد الله وتوفيق ولم أدري لم صنعوا بأنفسهم هكذا، أما الأول فكنت أحكي له قصة حدثت معي فما شعرت به إلا وقد فتح باب الشاحنة وصاح قائلاً( اللهم اغفر لي) ورمى بنفسه من الشاحنة وأما الثاني فلقد حاولت أن أمنعه فدفعني بكلتا يديه ورمى بنفسه هو الأخر وأما الثالث فلقد أشار إلي بسبابته قبل أن يرمي نفسه ودعا علي قائلاً ( اللهم انتقم منه) لا أدري لماذا مع أني كنت أحكي له قصتي مع جاري الذي تشاجرت معه عندما كنت راجعاً إلى المنزل 00000000
(بعد ساعة من السفر)

فقلت له أي لجاري أنا لا أسمح لك أن تتعدى على حقوقي وتمنعني من توسعة داري فقال لي أبو سعيد البقال هدئ من روعك يا محمود ولا داع لمثل هذا الكلام فقلت له أي لأبو سعيد البقال لا تتدخل أنت يا أبا سعيد فيما لا يعنيك ودعني أحل مشكلتي بيني وبين جاري ولكنه رد علي قائلاً000
(بعد ساعتين من السفر)
فقلت له بيني وبينك المحاكم وهي تفصل بيننا فقال لي000
أبو حسن(مقاطعاً) ما رأيك يا بني لو استمعنا إلى المذياع ، نستمع إلى إذاعة القرآن الكريم ففيها الخير الكثير
محمود: كان بودي يا معلمي إلا أن المذياع قد تعطل منذ أسبوع ونسيت أن أخبرك بذلك
أبو حسن(بينه وبين نفسه) حسبنا الله ونعم الوكيل ، ما زالت الرحلة في بدايتها وهذا الرجل لا يسكت أبداً ، لا بد أن أطلب منه وبشكل حازم أن يكف عن الثرثرة
محمود: المهم أن جاري التفت إلي قائلاً000
أبو حسن: اسمع يا محمود أنا يا بني لا أحب الثرثرة ولا أحب القيل والقال ولا أحب كثرة الكلام
محمود: وكذلك أنا يا معلمي، قل لي ماذا تكره في حياتك أقول لك الثرثرة والثرثارون أبي رحمه الله كان هو الأخر لا يحب الثرثرة ومرة جاءه قريب لنا يحب الثرثرة فقال له أبي000
أبو حسن (يصرخ بوجهه): يا بني ولكنك تثرثر الأن فكف أرجوك عن الثرثرة
محمود: حسن يا معلمي أنا أسف( يسكت برهة ثم يقول)
والله يا معلمي ما زلت حائراً من أمر تيسير وعبد الله وتوفيق أما الأول فلقد كنت أحدثه فما شعرت به إلا وقد فتح باب الشاحنة وألقى بنفسه بعد أن قال0000
أبوحسن: لقد أخبرتني بهذه الحكاية منذ قليل
محمود: نعم نعم وأما الثاني فلقد أمسكت بتلابيبه فدفعني بكلتا يديه 00000
(بعد ثلاث ساعات من السفر)
وأما تيسير وعبد الله فهما لم يدعوان علي، الذي دعا علي هو توفيق ولم أدري السبب مع أني كنت أحدثه عن الشجار الذي نشب بيني وبين جاري عندما أردت أن أوسع داري فلقد قال جاري0000
أبو حسن: ويحك يا رجل ، ما بك أنت ، تريد أن تعيد على مسامعي قصتك مع جارك التي استمرت أكثر من ساعتين وأنت تحكيها لي
محمود: أسف يا معلمي لا تؤاخذني ( يسكت لحظات ثم يتنهد قائلاً)
إييييه ، أتدري يا معلمي أنا في أسوأ حالاتي ، فلقد تركت زوجتي المنزل وذهبت لبيت أهلها وهي تطلب الطلاق الأن
أبو حسن: تعمل عين العقل
محمود: ماذا قلت يا معلمي
أبوحسن: أقول حسبنا الله ، الله يهدئ النفوس
محمود: والله يا معلمي ما قصرت معها بشيء ، طلباتها كلها أوامر، مع أنها دميمة ، منخارها كبير وفتحة أنفها يتسع لفيل كبير يجلس فيه متكأً، ويديها غليظتان كأيدي الرجال وصوتها أشج كبوق سيارة الإسعاف وفمها له رائحة كريهة تشم على بعد ميل و000
أبو حسن: يا بني اتق الله، ولا تذكر لي صفات زوجتك مالي أنا ولهذا الكلام
محمود: صدقت يا معلمي بارك الله بك، ولكني يا معلمي أتساءل لماذا تركت المنزل
أبو حسن(بينه وبين نفسه): لأنه ليس هناك شاحنة تلقي بنفسها منها
محمود: زوجتي لا تحب العمل في المنزل وهي كثيراً ما تترك البيت بدون عناية ومرة دخلت أمي فرأت المنزل مثل رأس المجنونة فوبختها وقالت لها لماذا البيت هكذا يا زوجة ابني بدون عناية فردت زوجتي بوقاحة وقالت لأمي: البيت بيتي وأنا حرة فيه فأجابتها أمي : لقد زوجتك ابني حتى تريحيه وتسعديه ولكني كنت مخطئة فأنت زوجة غير صالحة فردت امرأتي بصفاقة وقالت00000
(بعد أربع ساعات من السفر)
فقالت زوجتي لأمي أنا لا أسمح لك أن تتدخلي في حياتي فأجابتها أمي حياتك يا أم حياة!! قرصتك حية بسبع رؤوس سلخت عظمك عن لحمك
أبو حسن: آمنت بالله العلي العظيم على هذه الرحلة، يا رجل اسكت ، أعطني يدك ، أعطني يدك لأقبلها
محمود: العفو يا معلمي العفو
أبو حسن: أعطني يدك لأقبلها ولكن اسكت، ما بك أنت بالع قناة الجزيرة

محمود: أضحك الله سنك يا معلمي ، قناة الجزيرة، ولكن قناة الجزيرة متخصصة بالأخبار وأنا أصدقك القول يا معلمي لا أحب الأخبار فليس فيها إلا أخبار الدمار والحروب والقتال ، ولكن أنا لي رأي بالنسبة لقضية العراق0000
( بعد خمس ساعات من السفر)
وبهذا نستنتج أن أمريكا لا تريد الخروج من العراق ، أسألني لماذا ، لأن الأمريكان0000
أبو حسن (بينه وبين نفسه) آه لو أني كنت أعرف كيف أقود هذه الشاحنة اللعينة لكنت وضعت قدمي في ظهره وطردته خارج الشاحنة
(بعد ست ساعات من السفر)
فقال لي جاري أنا لن أسمح لك بأن توسع دارك فقلت له وما شأنك أنت00000
أبو حسن:استغفر الله
(بعد سبع ساعات من السفر)
فردت زوجتي قائلة لأمي تعيريني أني لم أنجب أولاد اسألي ابنك فهو00000
أبو حسن: استغفر الله
(بعد ثمان ساعات من السفر)
أما الثاني فلقد دفعني بكلتا يديه وأما الثالث فلقد أشار إلي بسبابته ودعا علي قائلاً اللهم انتقم منه مع أني كنت أحدثه عن جاري والخلاف الذي نشب بيني وبينه إذ أنه0000
أبو حسن( يصيح) اللهم اغفر لي ويرمي بنفسه من الشاحنة
المشهد الأخير
أبو ضياء: كيف حاله يا دكتور
الدكتور: الحقيقة الوضع سيء فلقد تسببت الضربة بنزيف داخلي حاد وهو الأن بين يدي الله
أبو ضياء: حسبنا الله ونعم الوكيل من كان يصدق أن أبو حسن الرجل التقي الورع يقدم على الانتحار ، على كل حال سأظل وفياً لك يا صديقي وسأقوم بالسفر بدلا عنك حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا
محمود: بينما الثاني دفعني بكلتا يديه عندما كنت أحاول أن أمنعه من أن يلقي بنفسه من الشاحنة أما الثالث فلقد أشار إلي بسبابته داعياً علي وقال اللهم انتقم منه مع أني كنت أكلمه بشأن جاري والخلاف الذي دبَ بيني وبينه عندما أردت توسعة داري فلقد رفض جاري وقال لي00000
أبو ضياء: اللهم اغفر لي
السلام عليكم